القاضي عبد الجبار الهمذاني

350

المغني في أبواب التوحيد والعدل

الظن . ولا يجب متى حملنا أحدهما على الآخر في أنه يحسن عنده أن يتساويا في أنه يحسن . بل لا يمتنع أن يحسن عندهما على سواء ثم يفترقان ، فيحسن لأجل الظن ولا يحسن لأجل العلم ، بل يحسن لأجل المعلوم لما بيناه من التفرقة بين الأمرين . على أنا قد بينا من قبل أن ذكرنا وجوه الحسن في الفعل مجاز ، وأنا نعنى بذلك ما عنده يعلم أنه يحسن وإن كان لا يحسن لأجله ، وبينا أن المعتبر في ذلك انتفاء وجوه القبح عنه إذا وقع على وجه مخصوص . وقد عرفنا أن وجوه القبح لا تنتفى عن الضرر إذا علم فيه نفع زائد لمكان العلم ، وإنما ينتفى ذلك عنه لمكان المعلوم إذا كان الحال فيه هذه . فجعلنا الوجه في حسنه نفس النفع دون العلم به . وقد علمنا متى حسن عند الظن أن الّذي لأجله انتفت « 1 » وجوه القبح عنه هو الظن دون المظنون من حيث علمنا ثبوته دون ثبوت المظنون . فيجب أن يكون هو المعتبر . وإذا صح ذلك فقد سقط كل ما سأل عنه . فإن قيل : إن المضرة مع هذا الظن لو حسنت لكان قد حسن ما لا نأمن فاعله أن يكون قبيحا ؛ وقد حكمتم بقبح كل ما هذا حاله ، فكيف تحسن المضرة عنده . قيل له : إنه متى علم هذا الظن فقد علم انتقاء وجوه القبح عنه ؛ وذلك يوجب أنه قد أمن من كونه قبيحا من حيث علمه حسنا ، وفي ذلك إسقاط ما سألت عنه . وإنما كان يجب ما ذكرته لو كان يحسن لأجل المظنون . وأما إذا حسن لأجل الظن ، فبعلمه بحصول الظن قد أمن فيه القبح ، كما يأمن ذلك عند علمه بحصول النفع فيه .

--> ( 1 ) في الأصل انتفى .